فوزي آل سيف
387
رجال حول أهل البيت عليهم السلام
وأهله قاصدين مكة المكرمة، فلما قربوا منها تلقتهم جيوش بني العباس (المسودة). ولم تنفع أحاديث الحسين معهم في تغيير موقفهم، ولا مشاهدة قوادهم لسلامة الخط الذي يسير فيه الثائرون.. فقد أراد قائد الجيش العباسي (موسى بن عيسى) استطلاع معسكر الحسين فقال لأحد أصحابه: اذهب إلى عسكر الحسين حتى تراه وتخبرني بكل ما رأيت، قال أبو العرجاء الجمال: فمضيت فدرت فما رأيت خللاً ولا فللاً ولا رأيت إلا مصلياً أو مبتهلاً أو ناظراً في مصحف أو معدّاً للسلاح، فجئت موسى بن عيسى فقلت له: ما أظن القوم إلاّ منصورين. فقال: وكيف ذلك يا ابن الفاعلة؟. فأخبرته بما رأيت فضرب يداً على يد وبكى حتى ظننت أنه سينصرف!. ثم قال: هم والله أكرم عند الله وأحق بما في أيدينا منا، ولكن الملك عقيم ولو أن صاحب القبر- يعني النبي - نازعنا ضربنا خشومه بالسيف، يا غلام اضرب بطبلك!!. لقد كان موسى بن عيسى يفلسف حركة خط الخلافة منذ بدايته، ويعي بعمق أن خط الإمامة أكرم عند الله وأحق بالقيادة، ولكن الملك عقيم!! ولكي يصفع الأغبياء والبلهاء الذين يبررون هذه الجرائم بالاجتهاد الذي يثابون عليه!!. وهكذا ضرب الطبل وما هي إلاّ ساعات حتى احتوش آلاف من الجنود الذين لا وعي لهم عشرات أصحاب البصائر.. وغلبت الكثرةُ الشجاعةَ.. وأرسلت شمس الأصيل أشعتها صباح يوم التروية الثامن من ذي الحجة الحرام عام 169 هـ، لتصافح تلك الأجساد الطاهرة، والجثث الزاكية. وتأخذ من أنوارها نوراً. وبقيت تلك الأجساد ثلاثة أيام لم توار ولم تدفن.([222]). وهكذا عادت كربلاء.. وحملت الرؤوس: وكانت مائة رأس إلى (خليفة المسلمين) الذي يشرفه الانتماء لرسالة الرسول بينما يقتل أولاده وجيء بالأسرى فأمر موسى الهادي العباسي بضرب أعناقهم جميعاً. وانتهت المعركة، ومرت الأيام، وامحّت المعالم، ومات المنتصر فيها، وهلك الخليفة العباسي وذكره إلاّ من صحائف العار واللعنة، وبقيت كلمات مضيئة تؤرخ الحادثة فتفضح خط القتلة وتخلد ذكر الثائرين، تلك كلمات الإمام موسى الكاظم الذي أخبر الحسين قبل خروجه بطبيعة من يقاتله فقال: «إنك مقتول فأحدّ الضراب فإن القوم فساق يظهرون إيمانا ويضمرون نفاقاً وشركاً، فإنا لله و إنا إليه راجعون، وعند الله أحتسبكم من عصبة. ومرة أخرى يؤمن الإمام الكاظم تلك الباقة العطرة من الثائرين بقوله: لما رأى رأس شهيد فخ الحسين بن علي في مجلس موسى بن عيسى القائد العباسي: «إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صواماً قواماً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله»([223]). مضوا قاهرين لأعدائهم، رافضين الذل، سالكين درب العزة حتى لقوا جدهم رسول الله، أما قاتلهم فإنه لم ينل سوى جزاء سنّمار من الخليفة، وسوى لعنة التاريخ ولعلّه كان يتنبأ بذلك فقد كان يلقن الشهادتين عندما حضرته الوفاة لكنه كان يقول- دائماً:- ألا ليت أمي لم تلدني ولم أكن لقيت حسيناً يوم فخ ولا الحسن بينما كان ثوار فخ، يتقلبون على أرائك الخلود في نعيم الله المقيم، ورضوانه العظيم، ولم يخسروا من الدنيا غير همّ القلب، وحزن النفس، وبقي لهم فيها الثناء الممتد. كما قال بعض من رثاهم: فـلأبكينّ على الحسين بعولة وعلى الحسن وعلى ابن عاتكة الذي أثووه ليس له كفن تركوا بفخ غدوة في غير منزلة الوطن
--> 222 )مروج الذهب 3/ 336. 223 )مقاتل الطالبيين 302.